نحو النور والبركة الإلهية مع الطريقة الكسنزانية

المقالات الأخرى

السرُّ الغامِض خَلفَ مُصطَلَح الطَّريقة

 

لماذا تُسمّى الطرق الصوفية طرائق؟

في القرون الأولى من الإسلام كان لفظ الطريق يُطلق على المسلك في عبور الصحراء. ومن أبرز أمثلته الأثرُ الضيّق الذي تتركه الإبل حين تسير في صفٍّ واحد، الواحد تلو الآخر. غير أنّ هذا لم يكن طريقاً عادياً، إذ كان هشّاً قد تمحوه الرياح في ليلة واحدة.

فالسؤال: لماذا استُخدم هذا اللفظ لوصف مسلك الصوفية؟

إنّ الصوفية – وغالباً ما يُساء فهمهم في عصرنا – لا يتصرّفون اعتباطاً، وأبعد ما يكونون عن العشوائية في اختيار المصطلحات التي يعرّفون بها نهجهم. فمصطلحاتهم، شأنها شأن عمارتهم، منتقاة بعناية ومحملة بطبقات من المعاني.

يمكن فهم كلمة طريقة من خلال صورة القافلة المتوجّهة نحو الواحة: شيخ الصوفية هو قائد القافلة، والركّاب هم المريدون، والواحة هي حقيقة الله سبحانه. وتُسمّى الطريقة طريقة لأنّها لا تُرسَم في الرمل خارجاً، بل تُرسَم في القلوب. أي أنّ من يحاول بلوغ الواحة متّبعاً الآثار الظاهرة فقط، يعرّض نفسه للتيه في صحراء الروح.

ولهذا سُمّيت طريقة: فهي مسلك لا يظهر إلا خلف الدليل، أي الشيخ. فإذا غاب الدليل اختفى الطريق. وهذا على النقيض من الشريعة، التي تعني في العربية الطريق الواضح أو الجادّة، وهي تمثّل الأحكام الظاهرة للإسلام، البيّنة لكل من يسلكها. ولأنها أوامر مباشرة من الله تعالى فهي واضحة مستقيمة.

ومن هنا تختلف الطريقة عن الشريعة، إذ لا تُسلك إلا بمرشد يقود السالكين. فهي ليست طريقاً ظاهراً للجميع مثل الشريعة، بل مسيرة في الأبعاد الباطنية للنفس.

وجميع المشايخ الصادقين يَصِلون نسبهم الروحي إلى النبيّ محمد ﷺ، أوّل هادٍ قاد أصحابه إلى حقيقة الله. وبعبارة أخرى، كل طريقة صحيحة تحفظ هذه السلسلة المباركة من الأدلاّء جيلاً بعد جيل حتى يومنا هذا. ومن ثَمّ فالطريقة ليست مجرّد اسم، بل مسلك حيّ، طريق من قلب إلى قلب، ومن شيخ إلى مريد، عبر القرون.

إنّ هذا اللفظ تذكير دائم بأنّ الشريعة طريق مفتوح للجميع، أمّا الطريقة فهي مسلك لا يُسار فيه على الوجه الأكمل إلا مع دليل يقود السالكين إلى واحة الحق.