ما هي الطريقة الكسنزانية؟ لمحة تاريخية عن نشأتها وتطورها
الطريقة الكسنزانية هي واحدة من الطرق الصوفية البارزة التي تنتمي إلى المدرسة القادرية، وتأسست في العراق. تعود أصولها إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني، لكنّها تطورت لاحقاً على يد الشيخ عبد الكريم الكسنزاني، الذي أعطاها طابعاً خاصاً من حيث الطقوس والمفاهيم الروحية. الكلمة “كسنزان” تشير إلى منطقة جبلية قريبة من السليمانية، حيث استقرّ الشيخ عبد الكريم وأسّس هناك مركز الطريقة.
الطريقة الكسنزانية تركّز على مفاهيم الحب الإلهي، التسامح، والابتعاد عن التعصب. كما أنها تُعرف بجذبها لأتباع من مختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية. في بداية القرن العشرين، بدأت الطريقة بالانتشار في أوساط الشعب الكردي، ولاحقاً امتد نفوذها إلى مدن عراقية أخرى وحتى خارج العراق.
تاريخ الكسنزانية هو مزيج من الروحانية العميقة والانفتاح على الآخر، حيث تسعى دائماً لتقديم التصوف كطريق للسلام الداخلي والارتقاء الأخلاقي. وبالرغم من أنها طريقة دينية، لكنها لا تمارس الإقصاء أو الفرض، بل تدعو إلى تجربة شخصية للروحانية، من خلال الذكر والمراقبة الذاتية والتأمل.
اليوم، تعتبر الطريقة الكسنزانية من أكثر الطرق الصوفية تأثيراً في كردستان العراق، ولها حضور قوي في السليمانية ومناطق أخرى.
أهم شيوخ الطريقة الكسنزانية ودورهم في نشر التصوف
الطريقة الكسنزانية عرفت بعدد من الشيوخ البارزين الذين كان لهم دور محوري في تطورها ونشرها داخل وخارج كردستان. على رأس هؤلاء الشيوخ يأتي الشيخ عبد الكريم الكسنزاني، المؤسس الروحي للطريقة بصيغتها الحديثة. وُلد الشيخ عبد الكريم في بيئة دينية وروحية، وكرّس حياته لنشر التصوف على أساس المحبة والتسامح.
بعد وفاته، استلم ابنه الشيخ نهرو الكسنزاني زمام القيادة الروحية، وواصل الطريق في نشر المفاهيم الصوفية وتوسيع شبكة الزوايا والمريدين، خاصة في السليمانية ومدن كردية أخرى. الشيخ نهرو جمع بين المعرفة الدينية والفكر العصري، مما جعله قريباً من الشباب والطبقات المتعلمة.
ما يميز شيوخ الكسنزانية هو خطابهم الهادئ والمنفتح، وحرصهم على ربط تعاليم التصوف باحتياجات الإنسان المعاصر. لم يركزوا فقط على الطقوس، بل أيضاً على البعد الأخلاقي والاجتماعي، مشددين على أهمية التواضع، الخدمة، والابتعاد عن العنف الديني.
كذلك لعبوا دوراً كبيراً في الحوار بين الأديان والمذاهب، خاصة في بيئة متعددة مثل كردستان. حيث سعوا إلى خلق مناخ من الاحترام المتبادل، معتبرين أن التصوف هو جسر بين القلوب لا سيف بوجه الآخر.
الطقوس والممارسات الروحية لدى أتباع الكسنزانية في السليمانية
أتباع الطريقة الكسنزانية في السليمانية يمارسون مجموعة من الطقوس الصوفية التي تهدف إلى تنقية النفس والاقتراب من الله. من أبرز هذه الممارسات هو الذكر الجماعي، حيث يجتمع المريدون في الزاوية أو التكية ويرددون أسماء الله الحسنى، بشكل منتظم وبإيقاع خاص، يخلق حالة من السكون والتركيز الداخلي.
من الطقوس الشهيرة أيضاً ما يُعرف بـ”الجذب الروحي (الحالات الروحية)”، وهي لحظات يصل فيها بعض المريدين إلى حالة من الصفاء الذهني العميق، قد يُرافقها حركات جسدية أو أصوات تعبيرية. هذه الحالة تُفهم ضمنياً على أنها تواصل روحي مع البُعد الإلهي.
الطريقة لا تقتصر على الذكر فقط، بل تدعو أيضاً إلى تهذيب الأخلاق، احترام الآخرين، ومساعدة المحتاجين. كما يُشجع المريدون على الالتزام بالصدق، الأمانة، وعدم التكبر، باعتبار هذه الصفات جزءاً من الطريق إلى الله.
في بعض المناسبات، مثل المولد النبوي أو ذكرى شيوخ الطريقة، تُنظم احتفالات دينية وروحية تشمل الإنشاد الصوفي والدعاء الجماعي. هذه الفعاليات تجمع بين البعد الروحي والثقافي، وتُعتبر فرصة لتعزيز روابط المريدين وتقوية الشعور الجماعي.
العلاقة بين الطريقة الكسنزانية والمجتمع الكردي: انسجام بين الدين والثقافة
الطريقة الكسنزانية استطاعت أن تندمج بشكل عميق مع الثقافة الكردية، خصوصاً في منطقة السليمانية. هذا الانسجام لم يكن مجرد توافق عارض، بل ناتج عن فهم عميق لحاجات الناس الروحية والثقافية. الكرد بطبيعتهم ميالون إلى الروحانية والشعر والموسيقى، وهذه الجوانب تتجلى بوضوح في ممارسة الكسنزانية.
من جهة أخرى، قدمت الطريقة نموذجاً دينياً بعيداً عن التشدد والتكفير، مما جعلها مقبولة لدى فئات واسعة من المجتمع الكردي. لم تفرض على الناس نمطاً واحداً من التدين، بل فتحت المجال لتجربة روحية شخصية تنبع من القلب، لا من القوانين فقط.
كذلك لعبت الزوايا الكسنزانية دوراً اجتماعياً، حيث لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل أيضاً مجالس للصلح، التعليم، وتقديم المساعدة. في القرى الكردية، غالباً ما كان شيخ الطريقة يُستشار في القضايا الاجتماعية، ويتمتع باحترام كبير.
الطريقة استخدمت اللغة الكردية في تواصلها مع الناس، مما ساعد على تقريب المفاهيم الدينية إلى المجتمع المحلي. كما أن الأناشيد الصوفية التي تُؤدى في الزوايا كثيراً ما تكون بالكردية، فتصل مباشرة إلى قلوب الناس.
انتشار الطريقة الكسنزانية خارج كردستان: كيف وصلت إلى مناطق أخرى؟
على الرغم من أن جذور الطريقة الكسنزانية في كردستان العراق، إلا أنها لم تظل محصورة هناك. بفضل نشاط الشيوخ والمريدين، وخصوصاً الشيخ عبد الكريم الكسنزاني وابنه الشيخ نهرو، تمكنت الطريقة من التوسع إلى محافظات أخرى في العراق مثل بغداد، كركوك، الموصل والبصرة، بل ووصلت إلى خارج البلاد.
أحد أسباب هذا الانتشار هو الخطاب المعتدل والمنفتح للطريقة، الذي جذب العديد من الباحثين عن طريق روحاني بعيد عن العنف والتعصب. الطريقة لم تعتمد فقط على الزوايا، بل استفادت من الوسائل الحديثة مثل الإنترنت والمحاضرات العامة للتعريف بفكرها.
أيضاً، وجود الجاليات الكردية والعراقية في دول أوروبية مثل ألمانيا وبريطانيا ساعد في نقل الطريقة إلى هناك. المريدون في المهجر أسسوا مراكز روحية تعكس مبادئ الكسنزانية، وتستقطب المهتمين بالتصوف من مختلف الجنسيات.
المثير أن بعض أتباع الطريقة ليسوا مسلمين أصلاً، بل تعرّفوا على التصوف من باب الاهتمام بالروحانيات، وهذا ما يجعل الكسنزانية جسراً بين الثقافات، وليس مجرد طريقة دينية محلية.
آراء المؤيدين والمنتقدين للطريقة الكسنزانية: بين التقدير والجدل
مثل كل حركة دينية أو فكرية، تواجه الطريقة الكسنزانية آراءً متباينة. المؤيدون يرون فيها طريقاً روحياً حقيقياً يعيد الإنسان إلى جوهر الدين، بعيداً عن الطقوس الجامدة أو التفسيرات المتشددة. يشيدون بالتركيز على الحب، التسامح، الذكر، والعمل الأخلاقي، ويعتبرون أن الطريقة قدّمت نموذجاً ناجحاً للتدين المتوازن.
من جهة أخرى، هناك من ينتقد الطريقة لأسباب مختلفة. بعضهم يرى أن طقوس الجذب أو الحركات الجسدية في الذكر ليست جزءاً من الإسلام “الأصيل”، بل يعتبرونها بدعاً. آخرون ينتقدون الدور الاجتماعي البارز لشيوخ الطريقة، ويخشون من تحوّل التصوف إلى سلطة موازية في بعض المناطق.
رغم هذه الانتقادات، فإن الطريقة تحظى باحترام كبير في مناطق كردستان، حتى بين من لا يتبعها. السبب هو أنها لم تُعرف بالعنف أو الإقصاء، بل بالحوار والانفتاح. كما أن أتباعها غالباً ما يكونون مندمجين في المجتمع، يشاركون في التعليم، الطب، والأنشطة الاجتماعية.
في النهاية، تبقى الطريقة الكسنزانية مثالاً على أن التصوف يمكن أن يعيش في قلب المجتمعات الحديثة، ويثير نقاشاً صحياً حول الدين، الروح، والهوية.